النويري
36
نهاية الأرب في فنون الأدب
ولما جئ بالهرمزان ملك خوزستان أسيرا إلى عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه ، لم يزل الموكَّل به يقتفى أثر عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه حتى وجده بالمسجد نائما متوسّدا درّته ، فلما رآه الهرمزان قال : هذا هو الملك ؟ قيل : نعم ؛ فقال له : عدلت فأمنت فنمت ، واللَّه إني قد خدمت أربعة من ملوك الأكاسرة أصحاب التّيجان فما هبت أحدا منهم هيبتي لصاحب هذه الدّرّة . وقالوا : إذا عدل الإمام خصب الزمان . وقال ابن عبّاس رضى اللَّه عنهما : إن الأرض لتزّيّن في أعين الناس إذا كان عليها إمام عادل ، وتقبح إذا كان عليها إمام جائر . وحكى أن كسرى أبرويز نزل متنكَّرا بامرأة ، فحلبت له بقرة فرأى لها لبنا كثيرا ، فقال لها : كم يلزمك في السنة على هذه البقرة للسلطان ؟ فقالت : درهم واحد ؛ فقال : وأين ترتع وبكم منها ينتفع ؟ فقالت : ترتع في أراضي السلطان ، ولى منها قوتى وقوت عيالي ؛ فقال في نفسه : إن الواجب أن أجعل إتاوة على البقور [ 1 ] فلأصحابها نفع عظيم ؛ فما لبث أن قالت المرأة : أوّه ! إن سلطاننا همّ بجور ؛ فقال أبرويز : لمه ؟ فقالت : لأن درّ البقرة انقطع ، وإن جور السلطان مقتض لجدب الزمان ؛ فأقلع عما كان همّ به . وكان يقول بعد ذلك : إذا همّ الإمام بجور ارتفعت البركة . وقال سقراط : ينبوع فرح العالم الملك العادل ، وينبوع حزنهم الملك الجائر .
--> [ 1 ] هكذا في الأصل . والذي في كتب اللغة التي تحت أيدينا من جموع هذا الاسم : بقر وأبقر وأبقار وأباقر وبقّار وأبقور ، وله أسماء جمع وهى باقر وبقير وبيقور وباقور وباقورة ، ولعل ما في الأصل جمع لبقر والقياس لا يأباه فإن من النحويين من ذهب إلى أن فعلا يجمع قياسا على فعول كأسد وأسود وذكر وذكور .